spacer
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, ومرحبا بكم في الموقع الرسمي لرابطة الأئمة في اسبانيا

spacer
 

الخلاصة RSS

لم يتم تحديد رابط التغذية الإخبارية.
 
على خطى أبي "العباس المرسي" طباعة إرسال إلى صديق
مقالات وبحوث
الكاتب ذ. محمد بنعبد الرحيم/ مورسية .. اسبانيا   

"مورسية" المدينة الاسبانية التي قل ما تغادر الشمس سماءها ، كانت آخر معقل من معاقل صمود الأندلسيين أمام الزحف القوطي.

قلبت على صدى الإيمان في هته البلدان، وعلى شفير الروح  ومرهم الجروح . في محاولة لأن أعرف الذين عرفوا فكان في الحق مسلكهم ، وذاقوا من الوجد ألوانا فكان الله مطلبهم ، كل هؤلاء أخرجتهم إلى الوجود أرض الأندلس، وغرست بذورها بعناية الله فكانت ثمارا صالحة طيبة مباركة ، وظلالا وارفة  لمن أنهكهم تعب الحياة ومشقة السبل وجهد الوصول.

فأطل على الدنيا  من تاريخها التليد نجم سطع قلبه بنور الكمال، وتجلى إلى دنيا الوجود بأسرار الخلود.

وهبت نسائمه على الشرق تداوي العليل، وأسكنت مهج القلوب حتى طارت بأشواق الأرواح إلى عالم الأفراح.  وحمل معه النور وزاد المريد ،  وغمر الفضاء ضياء فأضحى منارا للداني والبعيد . علم من أعلام الحق نما ، وبدر من بدور الكون سما.

هدية السماء للحيارى. ودليل الله للذين أرادوا فوجدوا وذاقوا فاشتاقوا وسكروا من خمرة حبه فما أفاقوا.

كتب الله على "مرسية" أن ينتسب إليها هذا العلم ، ولو لم يكن غيره لكفاها سيدا ومؤتمن. كان رحمه الله جماعا للخير والفضل والكرم.

الشيخ و مولده :

كان مولده  "بمورسية" سنة 616 هح 1214م 
هو الشيخ العارف بالله شهاب الدين أحمد بن عمر بن علي الخزرجي  "البلنسي" الأصل ،الملقب بالشيخ أبي العباس المرسي ،  يمتد نسبه إلى  سعد ابن عبادة الأنصاري وجده الأعلى قيس بن سعد أمير مصرفي خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه سنة 36 هح

تألق وهو حدث السن وغض الفؤاد في سماء العلم ، فحفظ القران في عام ، وتفرغ للدرس على يد كبار علماء الأندلس فأخذ عنهم علوم الشرع حتى ارتوى عقله ورجح فكره وأخذ من أدبهم وتخلق بأخلاقهم ونهل من تربيتهم.

فلما قوي ساعده على جهد العمل،  أصاب من التجارة فأضفى عليها حلة الأمانة والعفة والنزاهة. فكان ربحه بالآلاف وتصدقه بالآلاف.  ورجل من هذا المعدن لا تملك الدنيا إلا أن تنفض منه يديها لأنه يكون فيها بقلبه وروحه ، وتكون عنده في يده، فلا يدرك أن يأخذ حتى يعطي، وأن يملك حتى يفقد. فلا يزال منها معرضا ولا تزال عليه إقبالا، فهو فارغ من معناها إلا معنى أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة .

كتب الله على الشيخ أبي العباس أن يكون الباقي من أسرة ابتلعتها الأمواج العاتية في رحلة لحج بيت الله الحرام، حيث ذهبت الرياح العاصفة بمركبتهم ومن فيها، إلا الشيخ فإن عناية الرحمن تداركته لحكمة مسبقة ونعمة على الخلائق ملحقة.

فانتهى به المقام في تونس واتخذها له دارا حتى أذن الله له بما أعده من أجله .

لقاء الشيخ :

جاء اليوم الموعود واللقاء المبارك المشهود، واجتمع الخل بخليله فانشرفت خبايا الخلائق على منتهى العلائق وسر الحقائق، فكان ذلك نور الوراثة. ينادي المنادي من قبله على روح المحتاج لسلوك طريق المنهاج .

فعرف الشيخ من بين الورى ملازمه ومنتهى أنسه ومنادمه (الشيخ أبو الحسن الشاذلي)
وذلك أنه يحكي بنفسه رؤيا رآها تدله على بلوغ مصحوبه ونيل مطلوبه ومحبوبه. قال رحمه الله:

(لما نزلت بتونس وكنت أتيت من مرسية بالأندلس وأنا إذ ذاك شاب سمعت بالشيخ أبا الحسن الشاذلي فقال لي رجل نمضي إليه فقلت حتي أستخير الله , فنمت تلك الليلة فرأيت كأني أصعد إلي رأس جبل فلما علوت فوقه رأيت هناك رجلا ً عليه بُرنس أخضر وهو جالس عن يمينه رجل وعن يساره رجل فنظرت إليه فقال عثرت علي خليفة الزمان قال فإنتبهت فلما كان بعد صلاة الصبح جاءتي الرجل الذي دعاني إلي زيارة الشيخ فسرت معه فلما دخلنا عليه رأيته بالصفة التي رأيته بها فوق الجبل جبل زغوان , فدهشت فقال الشيخ أبا الحسن الشاذلي: عثرت على خليفة الزمان , ما إسمك ؟  فذكرت له إسمي ونسبي. فقال لي: رفعت إليْ منذ عشر سنين ومن يومها وهو يلازم الشيخ أبا الحسن الشاذلي رحمه الله

فرأى الشيخ في مريديه ما لم يظهر له من غيره، فسكن في قلبه حبه، وائتمنه على ورده وغمره بعناية الإقبال على تربيته والتفرغ لتزكية نفسه، حتى يكون له من بعده خليفة وارثا لسر العرفان ومبشرا بروح الإحسان ، فنهل من منهل التقوى حتى ارتوى ، وذاق من نار الشوق حتى اكتوى، وشع قلبه بنور الصحبة ومعين المحبة، فكان لمصحوبه نعم الصاحب، وفي سلوكه نعم الطالب والراغب فقال له يوما شيخه:

(يا أَبَا العبَاَّسِ ؛ واللهِ ما صَحَبْتُكَ إِلاَّ لِتَكُون َ أَنْتَ أَنَا ، وأَنـَـا أَنْتَ يا أَبـَا العَبَّاس ِ؛ فِيكَ مَا فِى الأَوْلِيَاء وَليْسَ فِى الأَوْليَاءِ مَا فِيك)
وقال فيه أيضا حديثا يشهد له فيه بخير ما إليه وصل، وبادراك نور العلم الذي به اتصل :(أبُو العبَّاسِ مُنْذُ نَفذَ إِلى اللهِ لَمْ يُحْجَبْ ،وَلَوْ طَلَبَ الحِجَابَ لَمْ يجـِدْهُ وأَبُو العبَّاس ِ بِطُرُقِ السَّمَاءِ، أَعْلَمُ مِنـْهُ بِطُرُقِ الأَرْضِ)

الهجرة إلى مصر:

ثم جد بهم السير إلى مصر المحروسة ، على أعقاب رؤيا رآها الشيخ أبو الحسن تأمره بالانتقال إلى أرض المنن، وذلك على عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب.

وهم في طريقهم ضاقت نفس أبي العباس بحمله، وأثقلت عليه مشيه وأتت على أمره ، فأعطاه الشيخ دواء من عنده، ووصف له شفاء من سقمه. قائلا له: (إن اّدم عليه السلام كان يعبد الله في الجنة بالتعريف فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف ، فإذا توافرت فيه العبوديتان إستحق أن يكون خليفة وأنت أيضا لك قسط من اّدم كانت بدايتك في سماء الروح في جنة التعريف ، فأنزلت إلي أرض النفس تعبده بالتكليف، فإذا توفرت فيك العبوديتان أستحققت أن تكون خليفة)

فانشكف عن المريد ما كان يجده من ضيق نفسه ووسواس حدسه،  حتى وصلوا الإسكندرية فكان بها مقامهم وحلهم وأمانهم، ففتح الناس لهم واسع القلوب لما تجلت منهم عطايا علام الغيوب، فشربوا من نبع حديثهم وعذب أرواحهم عسلا مصفا شفاء للشاربين.

حتى أذن الله برحيل أبي الحسن ووفاه أجله سنة 656 هت فتولى أبو العباس المرسي بلاغ الدعوة وأكمل مسيرة البيان، حتى طارت بحديثه الركبان، وتناقلت الألسنة خبره في جميع الأقطار والبلدان ، فجنى من ثمار قلبه الخاصة والعامة وأخذ عنه أولو العزم والفضل والكرامة مثل: ( البوصيري ، وابن عطاء الله ، وياقوت العرش ، والعز بن عبد السلام... )

وهو يغدق عليهم من منخول محصوله، ويدر عليهم من فضائل مكنونه، حكما بدائع وجوامع لوامع، ولله دره حيث يقول :
• (الأنبياء إلي أممهم عطية و نبينا محمد صلي الله عليه وسلم هدية و فرق بين العطية و الهدية لأن العطية للمحتاجين و الهدية للمحبوبين , قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : إنما أنا رحمة  مهداه)

• (و الله ما جلست بالناس حتي هددت بالسلب وقيل لي لئن لم تجلس لسلبتك ما وهابناك)
• وقال لأصحابه ليكن ذكرك الله فإن هذا الإسم سلطان الأسماء و له بساط وثمرة ، فبساطه العلم وثمرته النور ، ثم النور ليس مقصودا لنفسه ، و إنما ليقع به الكشف والعيان ، وجميع أسماء الله للتخلق إلا إسمه الله فإنه للتعلق ، فمثال ذلك أنك إذا ناديته يا حليم ، خاطبك من إسمه الحليم، أنا الحليم فكن عبدا حليما ً ، و إذا ناديته بإسمه الكريم خاطبك من إسمه الكريم ، أنا الكريم فكن عبدا كريما ، وكذلك سائر أسمائه ، إلا إسمه الله فإنه للتعلق فحسب ، إذ مضمونه الألوهية و الألوهية لا يتخلق بها أصلا.

وفاته :

فجاء وقت التحاقه بمحبوبه وسيده ومعبوده في 25 من شهر ذي القعدة سنة 686هـ / 1287م تغمده الله بواسع منه وجوده.

سقته أيادي العناية الربانية ونبت قلبه في محضن التقوى والجهاد والتزكية، فأعطى من نفسه الخير للدنيا والعباد، وقال كلمته العليا التي تعمل عمل القانون في الأرض لتقول للدنيا أن الحقيقة يخدمها بشر لهم قلوب الملائكة وأن هذا النوع من الناس كالموعظة البليغة والحكمة الموزونة لا يكون بين الناس إلا ليعلموا أن الله حق وان الساعة آتية لا ريب فيها ...

واليوم سار الشيخ أبوا العباس جزءا من تاريخ مصر ونسته الأندلس التي نسيت.!!!

ولكن أولياء الرحمن لا تحيطهم الأوطان، ولا تسعهم الأزمان حيثما عاشوا وأينما كانوا فتوجههم نحو المطلق، وأرواحهم تسبح في الملكوت العلوي فتكون منها لطائف المنن وودائع الحكم ويكون من ذلك الجسم الواحد الذي هو جسم الأمة والقلب الواحد الذي هو الإيمان والعمل الواحد الذي هو التوحيد والأمل الواحد الذي هو الله الذي لا اله إلا هو ...

أما العالم اليوم فهو ضجيج صاخب وصراخ مجنون وحضارة تثير الرعب والقلق وخوف من المجهول وانغماس في الحضيض وتقلب في شهوات التراب ...

ومن يدري لعل الله أن يبعث لنا من مورسية نفحة من نفحاته أو حكمة تقول للورى لا زال في الدنيا الخيرون ولله في خلقه شؤون وفي جميع الأحوال هم السابقون ونحن بهم أن شاء الله لاحقون ...

 

الأستاذ محمد بنعبد الرحيم / مورسية .. اسبانيا

الكاتب العام للرابطة


 
 

spacer
LA LIGA DE IMAMES DE ESPANA