spacer
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, ومرحبا بكم في الموقع الرسمي لرابطة الأئمة في اسبانيا

spacer
 

الخلاصة RSS

لم يتم تحديد رابط التغذية الإخبارية.
 
جارودي: الإسلام حي فلا تحنطوه طباعة إرسال إلى صديق
حوارات
الكاتب المشرف   

"إن أقبح خطأ مميت بالنسبة إلى مستقبل الإسلام قد يكمن في الخلط بين الناموس الإلهي السرمدي، أي الشريعة، وبين الفقه، أي التشريع".

بهذه الحقيقة يؤكد المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي اعتقاده فيما قال إنه سبب ما لحق بالعالم المسلم من تخلف وانحطاط، مشددا على أن "تطبيق الشريعة أمر معاكس لهذا الخلط واللبس".

بداية كيف ترى مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب؟

- برأيي يجب أن يكون الدين بمنأى عن أي شكل من أشكال الاستغلال والتعصب، خاصة الاستغلال السياسي، فمثلا إذا ذهبنا إلى البلاد اليهودية أو المسيحية أو المسلمة، فالذي يلفت انتباهك أولا هو عقيدة السيطرة.

هذه السيطرة إما أن تكون سياسية أو دينية، وفي معظم الأحيان دينية سياسية مختلطة، بعيدة كل البعد عن أي شكل من أشكال التسامح والتآخي والتصافي، مثال على ذلك إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل السابق، إنه يؤمن بالله والتوراة، الله العادل الذي لا يظلم، والتوراة هي كتابه المرشد إلى هذه العدالة، لكنه بعقيدة السيطرة الدينية والسياسية ينظر إلى تعاليم الله والتوراة على أنه -وبسبب تعاليمها وتوجيهاتها- يتحتم عليه وعلى اليهود كافة طرد كل الفلسطينيين وإبعادهم، أي أنه وبحسب تعاليمه لا يريد أن يكون هناك كنعانيون.

وهذا أيضا ينسحب على الكنيسة الكاثوليكية، خاصة فيما يتعلق بالبابا الحالي في الفاتيكان، إنه يحمل الإنجيل ويؤمن بتعاليم المسيح الداعية إلى المحبة والتسامح والنقاء، في الوقت ذاته الذي يكتب فيه ويلتزم بمعاهدة موقعة في أمريكا من نوع غريب وعجيب.

فقبل سنوات كنت أتلقى جائزة عن أعمالي في إيطاليا، وكان الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان زائرا هناك، وقد صرح ريجان لصحيفة إيطالية بأن لديه عقدا ومعاهدة مكتوبة بينه وبين البابا، معاهدة يلتزم بمقتضاها ريجان كرئيس لأمريكا بمحاربة الشيوعية في بولونيا، مقابل أن يحارب البابا اللاهوتية التي تتزايد في جنوب إفريقيا، هذا النوع من الاتفاقات يجري الآن بين الولايات المتحدة وأوروبا وبين بعض الدول التي تصف نفسها بالإسلامية.

الديموقراطية على الطريقة الغربية

* كيف تنظر إلى مسألة الديمقراطية في الغرب؟


- الديمقراطية تعني حكم الشعب بنفسه ولنفسه، وهذه الديمقراطية لم توجد أبدا حسب رأي "جان جاك روسو" المعتنق الرئيسي لنظرية الديمقراطية، والذي نادى بالثورة الفرنسية، ويرجع ذلك إلى التفاوت في الثروات الذي يجعل من المستحيل "تكوُّن إرادة جماعية"، وغياب الإيمان بقيم مطلقة تجعل الإنسان يحب ما عليه من واجبات بدلا من سيادة قانون الغاب.

ولعل من مفارقات الديمقراطية الغربية أن إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776 اعتبر أن البشر يولدون سواسية، وأن خالقهم قد حباهم بحقوق معينة لا مناص عنها، كحق الحياة وحق الحرية، ولكننا نجد أن الدستور المنبثق عن هذا الإعلان قد أبقى على العبودية ما يقارب القرن من الزمان بعد صدوره.

كذلك فإن إعلان حقوق الإنسان والمواطنة الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789 يؤكد أن جميع البشر يولدون ويعيشون أحرارا ومتساوين في الحقوق، وفي البندين 14 و 15 من هذا الإعلان نجد تحديدا مفاده أنه لا يحق التصويت إلا لأصحاب الأملاك وحدهم، وفي عام 1846 تم إقرار حق الانتخاب للجميع، ولكن فقط للرجال، أما نصف الأمة "وهن النساء" فقد كن على الهامش.

ولدينا مثال نمطي معهود في "إسرائيل"؛ فهي تقدم لنا على أنها مثال للديمقراطية، ولكن في كتاب "الطابع اليهودي لدولة إسرائيل" لمؤلفه Claud Klen، مدير معهد القانون المقارن في جامعة القدس العبرانية، يخبرنا أن القانون الذي أقره الكنيست عام 1970 حين تعرضه لتعريف اليهودي: "يعتبر يهوديا كل شخص مولود من أم يهودية، والذي يعتنق الملة اليهودية، أو الذي لا ينتمي إلى ديانة أخرى"، وهذا معيار عنصري، ومعيار ديني يقودنا بالتالي إلى عصر المحاكم الإسبانية التي كانت تلتزم حتما الدم والتحول إلى الكاثوليكية.

إن الديمقراطية على الطريقة الغربية ليست على الإطلاق حاجزا ضد الطغيان، فهتلر قد انتخب بصورة ديمقراطية من قِبَل 70% من الناخبين في واحدة من أعرق الديمقراطيات الغربية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن الديمقراطيين والجمهوريين ليسوا سوى شقيق لحزب أوحد هو حزب المال، ولا يقسمهم سوى الرغبة في تملك السلطة.. إن الخدعة الأساسية التي تبرر كل الجرائم باسم "الديمقراطية" إنما تقوم على أساس من مطابقة ثقافية "لحرية السوق" مع "حرية الإنسان".

أشرت إلى النظام العالمي الجديد وضرورة التصدي له.. كيف يمكن ذلك؟


- إن تعبير "نظام عالمي جديد" ليس كلمات تقال، إنه خطر حقيقي محدق بنا جميعا، ويجب علينا أن نعي هذا الخطر جيدا، إنه ليس خطرا موجها للدول الفقيرة فحسب، بل حتى الدول الأوروبية تعاني من نتائجه، وحسب إحصائيات الأمم المتحدة نرى أن أكثر من 80% من مصادر الثروات الطبيعية العالمية يسيطر عليها ما مجموعه أقل من 20%، هذا مؤشر أساسي للوضع الاقتصادي.

ثانيا وحسب ما تصدره "اليونيسيف" في نشراتها يلاحظ أن أكثر من أربعين مليون إنسان يموتون سنويا وغالبيتهم من الأطفال؛ وذلك إما بسبب الجوع أو أمراض سوء التغذية، أو نتيجة لبعض الأمراض التي يمكن أن تعالج ويشفى الإنسان منها بسهولة، وألفت إلى أن مجموع الأطفال الذين يموتون خلال يومين في الدول الفقيرة يعادل عدد ضحايا القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما؛ وهذا يعني أن الدول المتقدمة إذا أرادت الاستمرار بتقدمها، فعلى الدول الفقيرة أن تدفع ثمن هذا التقدم من حياة أبنائها بمعدل 40 مليون نسمة سنويا.

وفي الحقيقة هذا أبشع وجه للتقدم عرفته الإنسانية منذ فجرها الأول، بل إنه صورة ممسوخة مشوهة للحضارة في ظل النظام العالمي الجديد، هذا في الدول الفقيرة ودول العالم الثالث، أما في أوروبا وبقية الدول فالأمر يأخذ منحى آخر.

فالرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش" قال عن النظام العالمي الجديد: إنه الوجه الجديد للاستعمار، لكن الحقيقة تقول غير ذلك، ففي الاستعمار القديم كان المستعمرون متعددين: إنجليز وفرنسيون وإسبان وإيطاليون، وكل استعمار له مدرسته الخاصة به، ونمط يميزه عن غيره، لكن هذا الوجه الجديد للاستعمار تمثله قوة وحيدة واحدة في العالم أجمع، وأسلوب ونمط هذه القوة الوحيدة هو القوة العسكرية.

ففي فرنسا -وهي الدولة المستقلة المتقدمة التي لا تعاني من الجوع أو سوء التغذية أو الأمراض- تأخذ المعاناة من النظام العالمي الجديد شكلا آخر، ولا أذيع سرا إذا قلت إن هناك أكثر من 70% من القوانين الفرنسية الناظمة للاقتصاد أو المال أو النقل إنما هي صادرة من نيويورك، أو أنها تملى إملاء من بروكسل، وعلى الحكومة الفرنسية قبولها، إن طوعا أو كرها.

والقطاع الزراعي في فرنسا مثال صارخ على حجم التدخل الأمريكي؛ فلقد ازداد إنتاج المواد الغذائية في فرنسا، وخاصة الأساسية منها، بمعدل 16%، وهذا الازدياد لم يكن في صالح الولايات المتحدة الأمريكية، التي قامت بضغوطات هائلة على إدارات السوق الأوروبية المشتركة، وكانت النتيجة أن صدر من بروكسل، باعتبارها عاصمة الاتحاد الأوروبي، قرار يقضي بأن تتوقف فرنسا عن إنتاج هذا الفائض الذي ازداد عن حده.

هذا ما أكده مؤتمر الدول الصناعية الثماني، وبإصرار وتهديد أمريكي شرس، فما كان على فرنسا سوى الانصياع إلى بنود هذا القرار وإيقاف الإنتاج الفائض، في الوقت الذي تعاني فيه غالبية دول العالم من نقص حاد في موارد الغذاء يؤدي إلى وفاة أطفالها.

وهذا يعني ببساطة متناهية أن فرنسا ليست أكثر من مستعمرة، وأنها وإن حاولت أن تتحرر من هذا الاستعمار فإنها أيضا وببساطة لا تستطيع، وأنها إن أرادت أن تكون حرة في قرارها وقانونها الاقتصادي وألا تكون مجرد مستعمرة فعليها -برأيي- اتباع خطوات مهمة جدا، وجريئة جدا.

أولها أن ترفض الاتفاقية التجارية العالمية "الجات"، وأن تنسحب من معاهدة "ماسترخت"، وعلينا كفرنسيين أن نوقف التعامل مع المؤسسات العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لكن هل تستطيع فرنسا فعل كل ذلك؟ أعتقد أنه ليس بإمكانها ذلك، هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على الصعيد الثقافي والفكري فالأمر أكثر جدية، وأكبر مثال على ذلك صناعة السينما.

بين الشريعة والتشريع

رغم كل ما يقال حول الإسلام وعظمته فإن معظم أو جميع الدول الإسلامية تعاني من التخلف والفقر والجوع؟


- نحن معشر المسلمين نطالب وبحق عادل أن يوفر لنا القانون الإلهي الظروف لخلق مجتمع إنساني صادق وحقيقي في مواجهة هذه الغابة الحيوانية متضاربة المصالح، وفي مواجهة الحروب الناشئة عن عبادة وحدانية السوق وعبادة صنع المال.

لكن ما نجيب به هو أن البعض ينسب لنفسه الحق بأن هذا هو القانون الإلهي، كما لو كان الإنسان مالكا للعالم المطلق، ناطقا باسم الإله، سواء أكان بابا الفاتيكان، أو واحدا من علماء الأزهر، أو كبير حاخامات اليهود.

والحالة هذه فمتى نادينا بالشريعة (القانون الإلهي) -والتي هي الحقيقة الوحيدة التي تمثل جوهر أي مجتمع يتصف بالإنسانية، هذه الشريعة التي هي كلمة الله، وهي التي تجمع المبادئ الخالدة والعالمية لكل البشرية- فليس علينا أن نجعلها تلتبس بالفقه، أي بالتشريع البشري الذي يكون في كل حقبة من الحقب، وعند كل شعب من الشعوب، تبذل الجهود لتطبيقه في إطار ظروف تاريخية في عالم دائم التغيير، لا يتوقف الله، كما يقول لنا في القرآن الكريم، عن خلقه ثم إعادة خلقه.

وكل منا مسئول عن عدم الخلط بين الشريعة التي هي القانون الدائم وبين الفقه المتوارث عبر قرون خلت.. إن الإسلام لن يستطيع أن يخترق موقعا خارج العالم الإسلامي الحاضر إن نحن وقعنا في هذا الخلط، محاولين أن نفرض في القرن العشرين وعلى العالم أجمع تشريعا ينتمي إلى ظروف تاريخية كانت سائدة في الجزيرة العربية إبان القرن السابع.

لكن بعكس ذلك لو تمسكنا بالتعريف القرآني للشريعة، التي تحدد المبادئ الخالدة والعامة لكل المجتمعات، ونحن في مجتمع متفتت، وفي غرب منحط، لأنه نزع عن الإنسان بعده الأخروي، بسبب انفراديته الأخلاقية، ووضعية تقدمه العلمي، وهنا توجد إمكانية الاختراق بالضخامة عينها التي ظهرت أمام الإسلام في القرن الأول للهجرة.

الإسلام الأول الذي أعطى حياة جديدة الإنسانية من بحر الصين إلى المحيط الأطلسي عبر القوتين العظميين في تلك الحقبة، وهما الإمبراطورية الفارسية والبيزنطية، اللتان كانتا في غاية انحطاطهما السياسي والروحي.

وفي يومنا هذا انهدمت قوة عظمى في الشرق، وفي الوقت ذاته نجد الدلائل على أزمة القوة العظمى في الغرب؛ حيث نظام التنمية الذي ترغب في فرضه على العالم أضحى غير قادر على أن يعطي الحياة معنى، أو حتى يضمن استمرار البشرية بفرضه كذلك بعدما قتل في هيروشيما خلال يومين.

علينا إذن أن نتفكر كما يدعونا القرآن الكريم في عدة مواضع أن نذكِّر أنفسنا بأننا مسئولون عن أنفسنا.. إن أقبح خطأ مميت بالنسبة إلى مستقبل الإسلام قد يكمن في الخلط بين الناموس الإلهي السرمدي، أي الشريعة، وبين الفقه، أي التشريع.

إن تطبيق الشريعة هو أمر معاكس لهذا الخلط واللبس، وانطلاقا من المبادئ المطلقة للشريعة التي تقضي بأن الله هو المالك وحده، وأنه هو المهيمن وحده وهو العالم وحده، يمكننا أن نضع فقها للقرن العشرين، وهذه مسئولية جماعية لا تقع فقط على المسلمين، وإنما كما يقول القرآن الكريم، على جميع بني آدم من المؤمنين الذين تلقوا رسالة الأنبياء وجميع الرسل الذين بعث بهم نفس الإله، وهو الله وحده الذي لا شريك له.

يجب ألا نخلط بين الشريعة وبين الفقه؛ فلكل وظيفته الخاصة به، فالشريعة هي قانون أبدي عالمي لكل الشعوب ولكل الأزمنة، وهي ثابتة لا تنالها أساليب التبديل والتعديل، أما الفقه فهو -ربما- الحلول المناسبة للمواقف الطارئة، إضافة إلى الشروح المقدمة للشريعة بحثا وتحليلا.

من ثوابت الشريعة أن الله أرسل جميع أنبيائه برسالة واحدة وهدف واحد، هو أن الله هو الخالق البارئ، وهو الآمر الناهي، فأرجعوا الحكم لله والمعرفة لله، وهذا شيء ثابت أبدي عند جميع الأنبياء دون أي اختلاف، وفي جميع الكتب المقدسة.

ولو درسنا القرآن الكريم بآياته الستة الآلاف تقريبا لوجدنا أن حوالي 5800 آية تتحدث عن أمور ثابتة أبدية هي الشريعة، وأن ما يقرب من 200 آية هي في الفقه، والتي لا ينكر فيها التغيير والتعديل حسب المعطيات والحالة والزمن.

فكما أسلفت، فالشرائع متفقة على الثوابت من وحدانية وأزلية وخلق، لكن الأحكام تختلف، فحكم الملكية مثلا نراه في الكتب المقدسة على الشكل التالي:

في التوراة آية مفادها أنه كل سبع سنوات يجب أن يكون هناك توزيع جديد للممتلكات، أما ما تحدث عنه السيد المسيح فهو على العكس تماما؛ إذ قال: إن كل الذي تملكه يجب عليك أن تهبه وتمنحه صدقة.

وفي القرآن نظام ثالث هو الزكاة التي تسعى لتوزيع عادل للثروات، فهي نظام معتمد شريعة وفقها، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم بالذات لوجدنا أنه يخلو تماما من بعض الأمور المعاصرة والضرورية جدا، كالشركات المتعددة الجنسيات، والتعامل بالنقد، وما جرت عليه الأعراف التجارية، ومؤشرات المال والاقتصاد والأسهم والسندات... إلخ.

فالقرآن لا يدخل في هذا الموضوع كشريعة، وهناك تفصيلات كثيرة ودقيقة لهذه الأمور الاقتصادية، والقرآن غير معني بها، فهو ليس كتابا للاقتصاد.

لذلك أؤكد أن القانون الإلهي والمبادئ الإلهية خالدة سامية وباقية وأزلية، لكن ما يستجد من أمور الحياة المعاصرة علينا أن ننهض لإيجاد حلول تتناسب معها، ونعالجها بالطريقة التي نضمن بها الاتساق ضمن مسيرة الشريعة وأهدافها الكبرى، ولنا في فقه كل من أبي حنيفة والشافعي مثال يحتذى، هذان الفقيهان العبقريان أوجدا الكثير من الحلول والأجوبة لما كان يعترض مسيرة حياة المسلمين اليومية.

واليوم نحن ملزمون بالقياس على فقههم إذا كان ذلك ممكنا؛ لوجود العلة الواحدة، فكلنا ملزمون أكثر باستعمال فكرنا في حل مشاكلنا المعاصرة التي لم تكن موجودة في زمانهم، هؤلاء أعملوا الفكر، ونحن أيضا مأمورون باستعمال فكرنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشافعي قد أتى بفقه جديد في مصر يغاير فقهه في العراق لتغيّر الأحوال، لذا قيل: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".

يجب علينا أن ندرس كما درسوا ونعمل فكرنا لإيجاد حلول متسقة مع الشريعة الإسلامية لما يعترضنا من مشكلات فقهية عصرية.

الإيمان ليس في جيبي

أصدرتم كتابا بعنوان "الإسلام دين المستقبل".. هل ما زلتم تعتقدون هذا؟ وهل ترون أن الأمور تتجه بالشكل المطلوب حسبما كتبتم؟


- بالطبع أنا اليوم أكثر إيمانا بكل ما قلته وما كتبته، وأصر على أنه يجب على المسلمين كافة أن يكافحوا ويناضلوا بصلابة وقوة ومعرفة ووعي من أجل الوصول إلى تطبيق عميق وهادف للمبادئ الإسلامية.

أنا لا أملك الإيمان في جيبي ولا أضعه في منديلي، إنه عملية تفاعل ومثابرة، ويجب على المرء ألا يدّعي الوصول إلى نهاية الطريق، عليه أن يسعى يوميا للوصول إلى الكمال فالأكمل، إلى الحد الذي تستطيع فيه أن تأتي بحضارة إسلامية عالمية إن شاء الله أو حضارة عالمية قائمة على الإسلام.

كيف تنظر إلى مستقبل الإسلام؟


- إن مشكلة مستقبل الإسلام تكمن في كلمات بسيطة، فإما أن يدخل إلى المستقبل رجوعا إلى الوراء، بأعين مثبتة على الماضي، معتمدا على تشدقات المفسرين، بشأن المشكلات القانونية والفقهية التي كانت تطرح على عهد الأمويين والعباسيين، وإما أن يثبت قدرته على حل مشكلة نموذج جديد في النمو، وأن يستأنف طيرانه المنتصر كما جرى في العهود التي قدّم فيها الحلول في القرن الأول الهجري والمشكلات المطروحة من جراء انحطاط الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية.

وليس ثمة شيء أكثر مناقضة لرؤية ديناميكية للعالم من الاعتقاد تماما بأن جميع مشكلات الحاضر والمستقبل قد حلت، وأنه يكفي أن يعرف المرء عن ظهر قلب صيغ الماضي ليكون بذلك قد أجاب على كل شيء.

إن الاكتفاء عكس الدين؛ فهو يمنع آلاف الناس من أن يروا أن داخل الجاهلية الجديدة للحضارة الغربية المنحطة يمكن لشريعة "الله المالك وحده، والله هو المهيمن وحده، والله هو العالِم وحده" أن تعطي لهم هذا المعنى وتنتزعهم انتزاعا من قانون الغاب، ومن قانون الأقوى، ومن قانون الفوضى، وبعكس ذلك لو خلط المرء هذه الشريعة الجوهرية بالفقه المتراكم من قرون ماضية لكان ذلك انفصاما لعزل الإسلام، وعن طريق تطبيق الشريعة في حقيقتها فقط يمكن للإسلام أن يجد في قرننا هذا ظروفا مناسبة لانتشاره بأكثر مما حدث في القرن الأول للهجرة.

أكلة الرماد

أشرت إلى مسألة تجديد الإسلام.. هل يمكن إيضاح هذه النقطة؟


- برأيي موضوع تجديد الإسلام أو بالأحرى مستقبل الإسلام يتوقف على عدة نقاط، أهمها:

1- جهود المسلمين من أجل أن يعيدوا مرة أخرى نشر جميع الأبعاد التي صنعت في الأزمان الغابرة.. عظمة الإسلام وانتشاره، وبعده العالمي، وكونه لم يقتصر على هذا التقليد والعرف أو ذلك السائد في الشرق الأدنى أو على ماضيه، بل إنه انفتح على جميع الثقافات وأقر التكافل العظيم بين الشرق والغرب للديانات المنزلة، وحكمة بلدان نائية كبلاد فارس والهند والصين.

2- بعده الداخلي وحب الآخرين، فنجد أن كبار الصوفيين الأندلسيين كابن مسرة وابن عربي قد دافعوا عن ذلك، ومثلهم البيروني، والإمبراطور أكبر خلال عظمة الإسلام في الهند، ضد كل الشكليات والشعائر المتوارثة والحرفية المتجمدة.

3- بعده الاجتماعي، مستثنيا غابة المصالح المتناحرة وتراكم النزوات في بؤرة المجتمع، وعدم ترك البؤس للآخرين.

4- بعده الناقد ضد مجهودات "الفقهيين" المتناولين للترهات، والذين يجعلون من أنفسهم حرسا على التشددية، ويعتبرون أنفسهم موظفين للعالم المطلق.

وكيف ترى تشبث البعض بالماضي ومحاربة كل محاولة للتجديد؟


- أثبت الشاعر محمد إقبال في مؤلفه "إعادة بناء الفكر الديني للإسلام" أنه بهذه الروح الناقدة أمكن حفظ الإسلام من دائه الأكبر، ألا وهو قراءة القرآن بعيون موتى، أي تكرار ما قاله الأسلاف من القرون الأولى للهجرة، والذين كانت لديهم الأفكار لحل المشكلات التي كانت تعترضهم في عصورهم، ولكنها ليست مشاكلنا الآن، وهذا بحد ذاته خيانة للقرآن نفسه.

الله الذي لا يتوقف عن الخلق، وهو الذي نفخ في الإنسان من روحه ليجعل منه خليفة له في الأرض، وهو من تدعوه بدون توقف، ويدعوننا للتفكير في آلائه المتجددة على الدوام في هذا الخلق الدائم، لا يسعه إلا أن ينأى عن أولئك الناس الذين يطلبون منه، ولا يعرفون كيف يفكرون إلا بالعودة إلى الماضي.

هؤلاء أكلة الرماد، الذين بإصرارهم على تحنيط الإسلام الحي يقدمون أكبر الفائدة لأعداء العقيدة، وهم العقبة الكئود أمام خلق حداثة ليست على نمط الحداثة الغربية التي وقعت في براثن الانحطاط، وتعوق أن يكون الإسلام متقدما جنبا إلى جنب مع أصحاب العقائد المحبين للمستقبل، وخاصة أولئك الذين يحبون انبعاث العالم من جديد.

 
 

spacer
LA LIGA DE IMAMES DE ESPANA